محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

273

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

الوجه الثامن : أن الملائكةَ والأنبياء قد أَمِنُوا مِن الموت على الكفر الدي تخافه المرجئةُ ، وهم مع ذلك أخوفُ الخلق لله فدل ذلك على أنَّ الخوفَ ليس موقوفاً على ظنِّ الخائف أن الله يعذِّبُه في الآخرة ، ولا على تجويزه لذلك ، وقد قال تعالى في الملائكة عليهم السلام : { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم } [ النحل : 50 ] ، وقال : { وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُون } [ الأنبياء : 28 ] . الوجه التاسع : أن نقولَ : الدواعي إلى الصِّدق في الحديث خاصة أكثر ، والصوارفُ عن الكذب فيه أكبر ، فقد رأينا الفُسَّاقَ المصرحين يمضي عُمُر أحدِهم ولم يكذب فيه على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وتقديرُ وجود الداعي الغالب لوازع الشرع الماحي لآثار الحياءِ من الله تعالى نادرُ الوقوع في الزمان ، نادرُ الوقوع في الأشخاص ، والنادرُ غيرُ معتبر بدليل أنَّه مرجوح ، والصدق راجح ، وتقديمُ الراجح على المرجوح ، والمساواة بينهما على خلاف المعقول ، ولا موجبَ لترك دليل المعقول من المنقول . الوجه العاشر : لو كان اعتقادُهم أن الله يغفرُ حاملاً على المعصية قطعاَّ ، لوجب أن يكون اعتقادُ أنَّ الله يُعَذِّبُ مَنْ لم يتب موجباً لتركِ المعاصي قطعاً كافياً في العدالة ، فيكون مَنِ اعتقد أن الله لا يغفِرُ إلا بالتوبة ، فهو عدلٌ لا يحتاج إلى تعديل ولا خِبرة ، ومنِ اعتقد أن الله يغفِرُ من دون توبة ، فهو مجروح من غير جارح ولا خِبرة ، بل بمجرَّدِ اعتقادهما يثبت لذلك العدالة ولهذا الجرح ، فكما أنَّ ذلك لا يصِحُّ التعديل به في الوعيدي ، فكذلك لا يَصحُّ الجرحُ به في المرجىء ، فكما أنا نَجِدُ في الوعيدية عاصياً ، فكذلك نَجِدُ في المرجئة مطيعاً ، بل الوعيدي العاصي هو الذي وجود الذنب منه أقبح وإصرارُه عليه للجرح أصلحُ ولذلك قيل :